بعد الحرب يأتي الاعتراف ، الاعتراف إما يأتي مقروناً بالتباهي و إعطاء المبررات للقتل ، و إما يكون تنصلاً كاذباً في كثيرٍ من الأحيان من وصمة المشاركة في القتل . في رواية " ألقيت السلاح : امرأة في خضم الحرب اللبنانية " يختلف الأمر . ليس هناك مفاخرة و لا تقديم مسوغات المشاركة في حرب أهلية ، و لا دفعاً للتهم أو درءاً لها . فيه اعتراف كما ينبغي أن يكون الاعتراف ، فيه انعتاق و تحرر مطلق من سلطة الأيديولوجيا المتزمتة المتعصبة ، و شعور بالإثم لمجرد الإنخراط في تنظيم مسلح احترف العنف الأعمى . لم تكن ريجينا صنيفر صاحبة هذا الكتاب الذي صدر باللغة الفرنسية و ترجم حديثاً إلى العربية ، لم تكن مقاتلة حاملة للسلاح بشكل مباشر ، و لا لاعبة رئيسية في مجزرة ما جرت هنا أو هناك على أرض لبنان أثناء الحرب الأهلية ، لكنها لا تعفي نفسها من المسؤولية المعنوية كونها اعتنقت أفكار ميليشيا مارست القتل ضد من اعتقدت أنهم أعداء و ما لبثت ، كما يحدث عند كل ميليشيا ، أن توغلت في مستنقع الدم ، فأخذ عناصرها يسفكون دم بعضهم بعضاً ، و يستطيعون لا قتل الآخر فقط ، بل الأخ و الصديق و المحايد أيضاً ، بعد أن تضخمت جرثومة العنف في أعماق نفوسهم و على هذا يؤكد المفكر جورج فرم " أن على المثقفين المنضوين في أحد المعسكرين المتخاصمين حالياً في لبنان و المنطقة العربية أن يقرأوا أيضاً هذا المؤلف على أمل أن يكفوا عن إعطاء العنصرية طابعاً أكاديمياً ، مستغلين ألقابهم الجامعية البرَاقة ، و هذا لا يقل خطورة عن كلام بعض السياسيين و الإعلاميين .
" اليوم أستطيع أن أتكلم ، آن لي أن أفعل و قد طال صمتي عشرين عاماً . الآن أستطيع أن أفيض بما كتمته عقدين من الزمن" هكذا تقدم ريجينا صنيفر اعترافها لا لأجل بلدها فقط بل "لأجلك أيضاً يا بني ، اكتب ، إنني لا أقص عليك الحرب ، و إنما أروي لك قصتي مع الحرب ، و أنا لا أحاول تبرير ما فعلت و لا التشكي مما أصابني منها ، و إنما أحكي قصتي لتقوم مقام الشهادة ، فأنا قدمت من بلاد حولتها الحرب إلى مقبرة لأحلام و لأشخاص ، بترت حياتهم ، و اليوم ، أنا أرفض العنف الذي قبلت به في يومٍ من الأيام . قررت اليوم أن أتكلم ، و ها أنا أكتب لك ، و لأجلك ، فأنا أؤمن بقوة الكلمات و قدرتها على استخراج بعضٍ من الحقيقة من تلك التجارب المريرة . أنا أكتب علّني بالكتابة أتصدى لمشاعر الخوف و الكراهية التي هي منابع للعنف ، و متابع للحروب".
ما تبوح به المؤلفة رواية حقيقية ، لا تحتاج فيها لأن تستعين بخيالها ، أو تتصنع الربط بين الأبطال و الأحداث . كل ذلك جاهز عبر كتاب وجداني يتضمن أكثر من السيرة الذاتية أو المذكرات اليومية . عمل قليل ما يتجرأ أفراد كتب عليهم أن يكونوا في خضم حروب أهلية أن يعترفوا بوحشية ما رأوا ، سمعوا ، أو صنعوا . مثل هذا النمط من الاعتراف لا يتفوه به إلا من اقتلعوا من أذهانهم ، و سلوكهم تماماً ، ما تلطخت به أفكارهم أو عششت في عقولهم من تعصبٍ مقيت. و هي تقر " أن النسيان صعب" و لكن الخلاص الروحي لا يتأتى إلا عن طريق الانفصال التام و النقد الصارم الحازم لما عاشه أمثالها ، و هي الفتاة التي زُجت في أتون الحرب حين بلغت السابعة عشرة من عمرها ، و شحنت إعلامياً و عقائدياً بثقافة خاطئة أدت إلى الانصياع لمنطق العنف الطائفي و العنصري.
" لا مشاعر في الحرب ، و إنما توازن قوى" هذا ما يهمسه في أذنها أحد رفاقها المحاربين ، فيما يقر لها آخر : " إن الإبقاء على رجال قيد الاعتقال في السجن أمر فيه إحراج ، أما الجثة ، فهي لا تحمل توقيعاً ".
على أن ما حرر روحها في نهاية الأمر هو ذلك الفلسطيني الذي التقته ليلة الرابع و العشرين من شهر ديسمبر 1986 في أحد سجون المليشيات ، و الذي سمعت بإعدامه لاحقاً : " قيل لي أنهم أردوك قبل مغادرة المكان . أطلب منك أن تسامحني ، اغفر لي لأني لم أستطع تحريرك . اغفر لي أنني لم استطع إنقاذك . فأنت من حررني من حقدي ، أنت من أخرجني نهائياَ من الحرب ، دخل بي أخوتك الفلسطينيون إلى سجن الحرب ، و أنت ، فلسطيني في السجن ، أخرجتني منه"
كيف السبيل إلى الخروج من دوّامة الحقد. في الرابعة والعشرين من عمرها، وبعد أن أمْضَت سنوات سبع من الالتزام في صفوف الميليشيات المسيحية في لبنان، تكتشف ريجينا صنيفر، في سجون معسكرها الخاص، أهوال حرب الأخوة، فتتخلّى نهائياً عن العنف. وبعد مرور عشرين عاماً، تقرر سَرد تلك السنوات التي أمضتها في ساحات الوغى، كمقاتلة ملتزمة. إنها بسردها لتجربتها هذه، إنما تشهد كي لا يطوي النسيان عشرات الآلاف من شباب جيلها الذين دمّرتهم الحرب؛ كي لا يطوي النسيان الصرخة الصامتة التي أطلقتها أمهات ظَفِر الموت بهن لطول ما انتظرن عودة أبنائهن، أحياءً أو أمواتاً؛ كي لا تُعاد الكَرّة، فيُطلق عَنَان الحرب، وكي تُبْتَدَع أخيراً مسالك السلام...
هذا الكتاب وثيقة نادرة في زمن تعود فيه جَلَبَة السلام لتهدّد لبنان من جديد، فتُدميه.
ولدت ريجينا صنيفر في بيروت وهي تعيش في فرنسا منذ العام 1987. درست الإعلام والتوثيق في لبنان، ونالت في باريس دبلوماً في الجغراسيا. في العام 1994، نشرت كتابها الأول بعنوان حروب مارونية (guerres maronites). تحمل شهادة ماجستير من معهد الدروس العليا في التجارة في التسويق، وهي الآن تعمل في مجال التأهيل


Commentaires