|
ريجينا صنيفر: الحرية هي المعرفة !!
|
|
هل خروجك من "القوات الللبنانية" و إرتدادك على "نضالك" العسكري فيها، يعتبران إدانةً للمشروع السياسي التي كانت تحمله القوات، كما هو إدانة لكل المشاريع الطائفية المشابهة العاملة على الساحة اللبنانية؟ انسحابي من القوات اللبنانية في عام 1987 كان في المقام الأول نتيجة استجابة إنسانية إلى الوحشية و الهمجية التي شهدتها. كنت في السابعة عشرة من عمري عندما دخلت إلى الميليشيا المسيحية، حزب الكتائب. انضممت إلى هذا المشروع وميليشيا القوات اللبنانية الذين كانوا يعتقدون أن الدولة اللبنانية حينها لم تعد ضمانة لحماية المسيحيين. كنت أريد الدفاع عن لبناني، عن منطقتي ، عائلتي وإيماني. في عام 1986 ، اختار بعض زملائي الإلتحاق بايلي حبيقة فألقوا نفسهم في السجن. زرتهم لمدة أربعين يوما. |
|
|
|
اكتشفت السجون السرية وجدرانها الرطبة والمذلة. رأيت وجوه تتعذب. ولكن الأسوأ لم يكن قد أتى بعد. في صباح أحد الأيام في سبتمبر 1986 ، علمت أن العديد منهم قتل وألقي في البحر. منذ ذلك اليوم، وأنا أعيش العار و القرف والاشمئزاز. ليلة عيد الميلاد عام 1986 ، ذهبت إلى سجن للقوات اللبنانية مع الأب خوند، راهب ماروني ، لزيارة الرفاق السجناء. من بين السجناء سمعت صوت فلسطيني، عرفته من لهجته، كان يغني لأمه. كنت ذهبت يومها لزيارة إخوة في السلاح فالتقيت في هذا السجن أخ في الإنسانية. هذا الصوت هز معتقداتي إلى الأبد. وكان هذا الإدراك خطوة أولى ، باب يفتح للتفكير. استغرقتني عشرون سنة اخرى لاضع المسافة اللازمة بيني وبين هذه المعتقدات التي بإسمها خاطر وضحى العديد من الشبان من جيلي. خطوة خطوة ، تعلمت أن أشفر الآليات التي يمكن أن تدفع فتاة في السابعة عشرة سنة على حمل السلاح والانخراط في الميليشيات، وتحليل منطق التلاعب الذي يؤدي إلى الحرب. كان تفكيك معتقداتي ومخاوفي مساراً. كان فتح بطيء وصبور. ولاسيما أنه من مجال الوعي البشري. المهمة الأصعب هي أن نعي مسارات افكارنا ونضع كلمات لمخاوفنا. فقط عندما ندرك مخاوفنا ومعتقداتنا ، وعندما نرى بوضوح ،يمكن أن نتغير. هكذا ا فهمت أن النظام الطائفي يعزز من إنغلاق الأفراد ، ويقلل من حريتهم في التفكير. فإننا نحول جهلنا وعدم معرفتنا بالأخر إلى خوف و من ثم إلى عنف. تعلمت تحرير نفسي من هذا المنطق الطائفي لأتمكن من السير نحو الإنسان ، المواطن و العالمي. وبأعجوبة أيقظ هذا العالمي صوت هذا الفلسطينيين في قعر السجن هل ممارسة العمل السياسي يستدعي بالضرورة ممارسة العنف؟ أم أنّ ثمة إمكانية واقعية لممارساتٍ سياسية نظيفة و مطهَّرة من جرثومة العنف و التدمير؟ يجب أن تهدف السياسة ما هو عالمي في الاحترام لجميع البشر. وهذا الهدف الشامل لسياسة لا يلغي الصراع، ولكن يجب أن يستبعد أي شكل من أشكال العنف. السياسة موجودة لاحتواء العنف والعنف من طبيعة الإنسان. عندما تقبل أو تتبنى السياسة العنف هي تفقد مبرر وجودها. ويجب أن تؤمن سياسة الدولة حق الجميع في مساحة واحدة عامة مشتركة. إذا غابت هذه المساحة العامة أو طغت المساحات الخاصة على هذا المجال العام تصبح هيمنة مجموعة بشرية واحدة تسعى إلى فرض قيمها واعرافاها وقوانينها ممكنة. وهذا يخلق الإحباط والظلم والعنف. في لبنان تهيمن المجموعات الطائفية على هذه المساحة العامة. خطر سيطرة مجموعة على الآخرين دائم . أعتقد أن السياسة يجب أن تكون الكفيل لهذه المساحة العامة المشتركة حيث جميع الخلافات قد تكون موجودة ولكن الحقوق تبقى وحيدة من نوعها. أنا أحب جملة لفولتير قال فيها : "كل كل ما هو متعلق بطبيعة الإنسان يتشابه ، الإنسان مع كل اختلافاته الثقافية فريد . و يجب أن تكون حقوقه فريدة من نوعها أيضا . في كتابك "القيت السلاح" وردت العبارة التالية: " فهمت للتو، أننا مغلوبون، و أن قضيتنا فُرّغت من معناها " . برأيك ما الذي أدّى و يؤدي الى تجويف القضايا الكبرى من مضامينها الإنسانية الراقية و هل ثمة حتمية (قانون تاريخي) تؤدي بالضرورة الى سقوط الأفكار و الإديولوجيات لتتصالح في النهاية مع واقعٍ غير إنسانيٍ و مرفوض؟ يمكن للمرء أن يتساءل حول حقيقة بعض القضايا الكبرى التي نبدأ بتمجيد نبالتها وأحقيتها وننتهي بقبول العنف الكريه من أجلها . الإيديولوجيات تجر المشاعر دون شك لأنها تتحدث مع الهوية والانتماءات الدينية ، ولكنها تؤدي في نهاية المطاف إلى انغلاق مجتمعي وتبعد الفرد عن إنسانيته. في لبنان تنتج هذه الإيديولوجيات من قبل الأجهزة الطائفية لخدمة استراتيجيات السلطة. و هذه الأجهزة تستعمل الدين والتاريخ لإضفاء الشرعية على العنف. خلال الحرب ، كانت الخطابات الأيديولوجية تحمس مخاوفي المخفية، تثير مشاعر الهويات و غرائزي البدائية. كنت واحدا من هذه الأجهزة الطائفية وضحية بروباجندا القوات اللبنانية. تعلمت التلاعب بلغة الحرب و مفرداتها. حجبت الحقيقة. اقنعت مقاتلين بصوابة نضالهم . شوهت صورة الأخر. نشرت قصة مغايرة . استخدمت الكلمات المقدسة للتعبئة. هذه التركيبات الأيديولوجية الطائفية انتهت بخفض إنسانيتنا. المعتقدات والايديولوجيات تعزز غياب الفكر. وانها دوامة. نحمل السلاح ، لا نتكلم مع بعضنا ، ونتوقف عن الكتابة. لم نعد بحاجة إلى التفكير. نفكر من أجلنا. نحن نقاتل في صمت. لكنه صمت غياب الفكر الحر. |
|
قلت في كتابك " القيت السلاح " : " أقفلنا على المسيح في عقيدة، و إرتضينا العنف الذي نهانا عنه ". الى أي مدى ساهم وعيك المسيحي في خروجك من ممارستك السابقة و التأسيس لمرحلةٍ إنسانية جديدة انت ما ذلت تعيشينها الآن؟ قد يكون الدين عامل حرب إنما أيضا عامل سلام. لكل دين رسالة قيم وأخلاق. الانجيل هو في المقام الأول قصة المصالحة ، ويسوع هو رمز اللاعنف. تعلمت أن افهم هذه الرسالة من قصة صلب المسيح. قراءة أعمال رينيه جيرار نورتني على هذا البعد. جيرار يعتقد أن يسوع ليس كبش فداء مثل الآخرين. هو ضحية وكبش فداء طوعي. موته يعني ويعلن أن الية التضحية والوحدة الإجتماعية المبنية على العنف، لم تعد تنفع. الصلب هو التضحية الكبرى التي تجعل أي تضحية اخرى سخيفة. مع المسيح، الضحية تتوقف أن تكون مذنبة، و القربان ليس له معنى ومنطق كبش الفداء ينهار.
"لا أستطيع إلا أن أقف الى جانب الفلسطينيين ضحايا الظلم المبرمج"
ما الذي دفعك الى ممارسة تجربة الكتابة. هل هي محاولة منك لتحرير الذات من عقدة الذنب، أو إنه الموقف الأخلاقي الذي لا يرضى بممارساتٍ تتنافى مع الكرامة البشرية؟ يظن البعض أنني عندما كتبت خنت مجتمعي ونشرت غسيلنا القذر. في الواقع، ما يعتبرونه خيانة، اعتبره تخلي عن الولاء الأعمى لمجتمعي وحده. الكتابة بالنسبة لي فعل تأسيس لحريثي. ثلاثة عشرة عاما من الحرب و أنا محظوظة ببقائي على قيد الحياة،خصوصاً أنه كان ل ما يكفي من القوة لتحويل هذه التجربة التي لوثت روحي إلى كلمة سلام، كلمة تحرير وتنقية. وهذه هي الكلمة التي تشفيز اليوم، ما هي أولوياتك في المجتمع اللبناني؟ و كيف تقاريبين الوضع المأزوم الذي يعيشونه اللبنانيون في كل مستويات حياتهم ؟ أولوياتي وقلقي، على الرغم من أنني لا استطيع أن أقوم بها اليوم بسبب ابتعادي وهجرتي من لبنان ، هي بناء المواطن اللبناني و الإنسان الذي يدافع عن كرامته وحقوقه. برنامج واسع النطاق. ساهمت في الحرب الأهلية في لبنان في الموقع المحارب للفلسطنين. ما هي نظرتك اليوم للشعب الفلسطيني و لمقاومته في صراعه مع إسرائيل؟ بعد تجربتي في الحرب ، لا أستطيع إلا أقف الى جانب الفلسطينيين ضحايا الظلم المبرمج. الإسرائيليون يطبقون على الشعب الفلسطيني ما تعرضوا له خلال الحرب العالمية الثانية . هذا هو التقليد الأعمى للعنف. فإنهم يجدون أنفسهم عالقين في خوفهم الذي يزجهم في منطق القوة و قانون الأقوى ، أو بالأحرى قانون الاعنف. أصبحوا مستنسخين عن جلاديهم. عندما نرى ما يفرضونه على سكان غزة والأراضي المحتلة، لا يسعني الا التفكير في غرف الغاز في الحرب الثانية. غزة وغاز، هناك تقارب مخيف بين الكلمتين
"كرامة الإنسان أقوى من الحياة والموت"
وجدانيات : ما هي قمّة الحرية بالنسبة إليك ؟ الحرية هي المعرفة ما هي فلسفتك للموت و الحياة؟ من هو مثالك الأعلى؟
|
|
حاورها نزار عاقله |

.jpg)
Commentaires